في زمن تتسارع فيه وتيرة التطور الرقمي وتتبدل فيه طرق الوصول إلى المعرفة، يبرز موقع مداد بوصفه نموذجًا فريدًا لمنصة إسلامية استطاعت -عبر سنوات من العمل المنتظم والجاد- أن تتحول من فكرة بسيطة إلى منظومة واسعة تُسهم في حفظ التراث الإسلامي وإتاحته للأجيال الجديدة.
لم يبدأ “موقع مداد” كمشروع مؤسسي كبير، بل انطلق من مبادرة عائلية تدرجت خطوة بعد أخرى حتى أصبحت اليوم مرجع للعلوم الإسلامية تضم مواقع متعددة تحت مظلة واحدة. ومع مرور الأعوام تحوّلت تلك المبادرة إلى مشروع رقمي واسع يمتاز بأن نموه لم يكن طارئًا أو موسميًا، بل ثمرة عملية تطوير مستمرة تُدار بإشراف مباشر، وبوتيرة يومية تكاد لا تتوقف.
مؤسسة رقمية قائمة على الاستمرارية لا على التراكم
وعلى خلاف كثير من المواقع التي بدأت قوية ثم خبا وهجها، اختار موقع مداد طريقًا مختلفًا: البناء التدريجي. فبدلًا من التركيز على الظهور الإعلامي، انصب الجهد على إثراء المحتوى وإضافة ما يحتاجه المستخدم الباحث عن مادة موثوقة، واضحة الصوت والصورة، سهلة الوصول.
وقد أدى هذا النهج إلى تكوين مكتبة رقمية ضخمة تشمل:
- آلاف الختمات القرآنية المتنوعة في روايات مختلفة.
- أكثر من 180 ألف مقطع قرآني، تُعدّ اليوم من أوسع المكتبات الصوتية التخصصية في العالم الإسلامي.
- ما يزيد عن 175 ألف مادة علمية بين محاضرات ودروس وندوات، جمعت بعناية وجرى فهرستها لتسهيل البحث والوصول.
- آلاف السلاسل العلمية المصنفة بدقة، كثير منها يتم نشره لأول مرة على الإنترنت والمتخصصة لطلبة العلم.
هذا النمو المتدرج لم يكن نتيجة توسيع تقني فقط، بل نتيجة رؤية تعتبر الاستمرارية أساسًا للنجاح. فالتحديث في مداد ليس قرارًا دوريًا بل ممارسة يومية؛ الإضافة جزء من هوية الموقع، وليست نشاطًا تكميليًا.
أحد أكبر المشروعات الرقمية للقرآن الكريم وتلاواته
لا يمكن الحديث عن مداد دون الإشارة إلى أن قسم القرآن الكريم فيه أصبح مع مرور الوقت من أبرز المشاريع الرقمية في العالم الإسلامي. فالتنوع الكبير في الروايات، وغزارة الختمات، وسهولة الوصول إلى المقاطع، جعلت منه مقصدًا رئيسيًا للمستمعين والباحثين والطلاب.
ورغم أن الفضاء الرقمي بات مليئًا بالمنصات الإسلامية، فإن مداد يقدّم نموذجًا مختلفًا، يعتمد على الكمّ المتراكم والجودة العالية في آن واحد. والنتيجة هي مكتبة قرآن وتلاوات تُستخدم اليوم كمرجع من قبل طلاب علم، ومقرئين، وباحثين، وحتى مؤسسات إعلامية. تضم حتى تاريخ إعداد المقال أكثر من 1200 مصحف كامل وبجميع الروايات المشهورة وغير المعروفة.
مشروع يزداد اتساعًا عامًا بعد عام
يؤكد المشرف العام على الموقع -عبر مراجعة الخط الزمني لتطوّر المنصة- أن مداد لم يكن مشروعًا ثابتًا في يوم من الأيام. فالفريق القائم عليه يتعامل معه ككيان حيّ ينمو باستمرار. حجم المحتوى تجاوز سبعة تيرا بايت، والمواد الجديدة تُرفع بشكل دوري، والهيكلة تتوسع، والتصنيفات تزداد، والنسخ الاحتياطية تُحدّث بانتظام.
كما أن حضور مداد في وسائل التواصل الاجتماعي يشكّل امتدادًا رقميًا يتيح للمتابعين الوصول المستمر إلى الجديد، ويجعل عملية النشر والتفاعل أكثر قربًا من جمهور واسع داخل العالم العربي وخارجه.
يحظى الموقع بنسبة زيارة مرتفعة من مختلف الدول العربية، بالإضافة إلى شريحة واسعة من المستخدمين حول العالم، ما يعكس مدى تأثيره وانتشاره في المجال الرقمي الإسلامي.
إذن فقد قدّم مداد تجربة مختلفة في عالم رقمي يميل غالبًا إلى الاستهلاك السريع، مع تجربة تؤكد بأن المعرفة تحتاج إلى تراكم هادئ وصبور، وإلى صيانة دائمة، وإلى توسيع مستمر يرافقه احترام للتخصص.
واليوم وبينما تعيد المؤسسات الإعلامية والثقافية تقييم حضورها الرقمي، يبرز “موقع مداد” كنموذج لمشروع نجح في تحويل المبادرة الفردية إلى مؤسسة معرفية شاملة، تجمع بين الوفرة والجودة، وتضع بين أيدي الباحثين والمهتمين واحدة من أوسع المكتبات الرقمية للقرآن الكريم وعلومه، في زمن أصبحت فيه الحاجة إلى المحتوى الرصين أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
